نظرة على المستجدات الإيرانية
ماذا أصاب إيران؟ ما السبب الرئيس وراء الأزمة الإيرانية الراهنة؟ يبدو أن إيران باتت منقسمة في الوقت الحاضر بين معسكرين: (1) الحكومة (2) الأمة. والواضح أن أي حكومة لديها القدرة على حشد بعض الأشخاص حولها من كل صوب لإظهار تمتعها بخلفية شعبية. وأعتقد أنه من المستحيل التوصل على وجه الدقة إلى السبب الأساسي والجذري وراء هذه الكارثة التي ألمت بالبلاد دون الالتفات إلى التطور الذي مرت به نظرية «ولاية الفقيه». في الواقع، يكمن السبب الرئيس وراء ما حدث في هذا المبدأ. وخلال هذا المقال، سأحاول استعراض التغيرات والتطورات التي طرأت على هذه النظرية.
يعتبر كتاب «غلشن راز» أهم الكتب على الإطلاق في تاريخ الأدب الصوفي الفارسي. في ثنايا الكتاب، يشرح لنا الشيخ محمود شابستاري العلاقة بين تطور المصطلحات ومعناها في حياتنا المعاصرة، حيث يقول: «نظرا لأن لغة كل امرئ تعتمد على درجة التقدم التي أحرزها، فإنه من الصعب أن يتفهمها الناس. أما الذي تحيره هذه الألغاز، فسيصل إلى معناها».
يبدو لي أن تغير أو تطور اللغة والمصطلحات يقوم على تطور النظرية. وبدوره، يعد تطور النظرية نتاجا لتطور وجهات النظر المفكر أو الفيلسوف أو السياسي. وبالنظر إلى التراث الإسلامي، نجد أنه يتميز بثراء شديد فيما يخص فكرة تطور الأفكار أو النظريات. على سبيل المثال، هناك آية قرآنية تقول: «كل يوم هو في شأن» (سورة الرحمن ـ الآية 29). والملاحظ أن لفظ «يوم» القرآني يختلف في معناه عن اليوم العادي بالنسبة لنا، حيث أورد الماوردي (450 هـ) في كتابه «تفسير النكت والعيون» أن ابن بحر قال: الدهر كله يومان، أحدهما: مدة أيام الدنيا، والآخر يوم القيامة، فشأنه سبحانه في أيام الدنيا الابتلاء والاختبار بالأمر، والنهي، والإحياء، والأمانة، والإعطاء، والمنع، وشأنه يوم القيامة الجزاء، والحساب، والثواب، والعقاب.
والقول الثاني: إن المراد بذلك الإخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا.
وفي هذا الشأن الذي أراده في أيام الدنيا قولان:
أحدهما: من بعث من الأنبياء في كل زمان بما شرعه لأمته من شرائع الدين وكان الشأن في هذا الموضع هو الشريعة التي شرعها كل نبي في زمانه ويكون اليوم عبارة عن المدة.
القول الثاني: ما يحدثه الله في خلقه من تبدل الأحوال واختلاف الأمور، ويكون اليوم عبارة عن الوقت.
على سبيل المثال، طبقاً لما ورد في التوراة، خلق الله الخلق في ستة أيام. وكانت تلك الأيام قبل خلق الشمس والأرض. فكيف يمكننا تخيل يوم بلا أرض ولا شمس؟
أتذكر أنه خلال انعقاد «مجلس الخبراء» الأول، في صيف 1980، عكف الخبراء على إعداد قانون دستوري يتناول الاستفتاء داخل إيران. وجرت مناقشة مهمة بين دكتور بهيشتي وآية الله منتظري. وكما تعلمون، فإن منتظري كان يتقلد آنذاك منصب رئيس المجلس، وكان بهيشتي نائبه. عندما شرع منتظري في شرح آرائه حيال دور سلطة الرئيس، علق دكتور بهيشتي بالقول: «وجهة نظرك في الجلسة الأخيرة كانت مختلفة!» حينئذ سارع منتظري بالرد قائلا: «كل يوم أنا في شأن!» وهنا رد عليه دكتور بهيشتي أنه «ربما تكون في كل ساعة في شأن!»
ودعوني أخبركم مثالا آخر. يقول جلال الدين الرومي: «الصوفي ابن الوقت!» (مثنوي 2/1426).
ولا يقتصر هذا التوجه على الصوفية الإسلامية فحسب، وإنما يمتد إلى مدارس فكرية وأدبية أخرى. على سبيل المثال، نجد لويجي برانديلو (28 يونيو (حزيران) 1867 ـ 10 ديسمبر (كانون الأول) 1936) وهو كاتب مسرحي وروائي وكاتب قصة قصيرة إيطالي، حصل على جائزة نوبل في الآداب عام 1934. من بين مؤلفاته رواية رائعة بعنوان «واحد ولا أحد ومائة ألف». وكانت تلك آخر، وربما أعظم، روايات برانديلو على الإطلاق. خلال الرواية، صب اهتمامه على الشخصيات البشرية، وفكرة ميل البشر إلى تبديل آرائهم لدى مواجهتهم موقفا جديدا. وأعتقد أن نظرية «منطق الموقف» التي صاغها كارل بوبر تدين بالفضل إلى برانديلو.
ودعوني أوجز بالقول إن هناك أرضية مشتركة بين شابستاري والرومي وبرانديلو وبوبر. وعليه، من الواضح أن المفكرين والفلاسفة، وكذلك السياسيين، يميلون نحو تبديل آرائهم طيلة الوقت. منذ أكثر من ثلاثين عاما ماضية بعد نجاح الثورة الإسلامية، تمثل التساؤل الجوهري الأول الذي جابه المجتمع الإيراني الذي وقف في تلك اللحظة عند مفترق طرق على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في ماهية دور القائد والمرشد الأعلى، وبالتالي فرض مفهوم «ولاية الفقيه» نفسه. أود التركيز على هذه القضية تحديدا، والإجابة عن التساؤل: هل أدخل الإمام الخميني تغييرات على نظريته بمرور الوقت؟ أرغب في القول إن الإمام الراحل الخميني، باعتباره صوفيا وشاعرا وفقيها، بدل آراءه على امتداد خمسة عقود. وسأحاول التركيز على فكرة «ولاية الفقيه»، ثم أنتقل لمناقشة الأحداث التي شهدتها الفترة بين عامي 1970 و1988. أود تقسيم تطور نظرية «ولاية الفقيه» إلى ثلاثة أجزاء. ويمكن النظر إلى الأجزاء الثلاثة باعتبارها الجذور والجذع والثمار فيما يخص «ولاية الفقيه». يمكننا الإشارة إلى المرحلة الأولى بـ«مرحلة النجف» (1964 ـ 1978). لحسن الحظ، تمت ترجمة كتاب الخميني «الحكومة الإسلامية: حكم الفقيه» إلى الإنجليزية على يد البروفسير حامد ألغار. ويمكن الاطلاع على هذا الكتاب عبر شبكة الإنترنت. ويشكل الكتاب خلاصة وافية لثلاث عشرة خطبة ألقاها الإمام الخميني خلال فترة إقامته في النجف ما بين 21 يناير (كانون الثاني) و8 فبراير (شباط) 1970. تعد النظرية التي يتناولها هذا الكتاب حجر الزاوية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث قام الدستور الإيراني عليها. في بداية الفصل الأول بعنوان «ولاية الفقيه»، يقول الخميني: «موضوع ولاية الفقيه يمدنا بفرصة لمناقشة عدد من الأمور والقضايا الأخرى. تعتبر ولاية الفقيه قضية تجتذب من تلقاء نفسها الموافقة ولا حاجة لطرح أدلة كثيرة لتأييدها، ذلك أن أي شخص لديه إدراك عام بتعاليم وأوامر الإسلام سيوافق دونما تردد على مبدأ ولاية الفقيه بمجرد تعرفه عليه. وسينظر إليه باعتباره ضروريا وجليا دون حاجة لحجة تدعمه». (ولاية الفقيه. الصفحة الأولى) بناء على هذا المنطق وهذه النظرة الفلسفية، راود الخميني الاعتقاد بأن «ولاية الفقيه» جلي تماما بالنسبة لأي مسلم.
الشرق الأوسط




