وكيف يصدِّق اللبنانيون؟ فضائح أولية في مشروع إيران و"حزب الله" والسيد!

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
ملاحظة: تمت كتابة جزء من هذا المقال قبل أساييع، إلاَّ أن العزيمة على تمامه والنشر، جاءت بعد ظهور "الأمين العام للثورة الإسلامية في لبنان" خطيباً، يتفاخر باحتلال المدينة، وحرق المدينة، وقتل سكان المدينة... العزيمة هذه، جاءت بعد أن لوّن خطابه، كعادته، لوَّنه بالأحمر والمياتم والمقابر والنضال العضال والحرب والجثث، وكل شيء... أي شيء!! مبروكة على "الأمين العام" جريمة السابع من أيار، ومبروك عليه كل من اقترفها بدم بارد، ومبروك عليه يوم مقاومته المجيد. يكفي، أننا كلنا، نحن اللبنانيون، ومهما مجّد بذلك اليوم وله هلَّل، يكفي أننا نعرف حقيقته الحامضة، وحقيقة أنه هو، قبل غيره، هجرنا ودسَّ رصاص سلاحه في جروحنا، ويكفي أننا ثابتون، وهو يعلم ذلك، ثابتون، لا تلومنا في الحق لومة لائم، وثابتون، تسيل كتابة الحقيقة من أصابعنا لتفضح الزيف، وثابتون، نبقى حسكاً في "زلعوم" كل من اعتاد تقطيع لحم الأبرياء قطعاً صغيرة، لكي، ساعة يأكلهم، لا يختنق! 
 
هما عمرٌ وشربلْ، إحتجّا احتجاجاً كبيراً ـ عليَّ أنا ـ ساعة عَرَفا أنني شيعي بالولادة والهوية والقضية!!... لكن سرعان ما توضحت الأمور في عقلهما المحشوين شعاراتٍ وصواريخَ وانتحاريين وخطباً مذهبية تحريضية. هما، الإثنان معاً، المقيمان في لبنان، في قَلبِه ومَتْنِهِ منذ سنوات ثلاثين، سألا، من باب جاهل يحتاج أن يعرف: 
[ هما: شيعي؟ 
[ أنا: نعم، شيعي بالولادة والهوية والقضية! ولكنكما لا تعرفان أني شيعي مهجَّر، هجرني من مدينتي وحشٌ كاسرٌ لم يجدْ جريئاً يقفل بوجهه باب النفاق، هجرني ليهنأ ويستريح، فيعلن بعدها لائحته الإنتخابية منها عبر شاشة، ويتوجَّ زعامته الوطنية ترخيصاً جديداً لجرائم القتل الباردة القديمة والساخنة الجديدة!! نعم، شيعي بالولادة والهوية والقضية، ولكن، لا عليكما، واسمعاني جيداً: أنا، مدينتي كبيروت الجريحة، فيها صُوَرُ نزيفٍ وموتٍ وعزاء مرسومة في الهواء الطلق، وفيها أيضاً مذابح وجرائم دفنها مرتكبها في الرياء الطلق!! لكن مدينتي هذه، ضحيةٌ كبيروت، ولكنها ضحيةٌ قاسية لا ترحم جلاداً... ولو وبعد حين! هي مدينتي، مواسمها وإن قحلت، لن تلتبس عليها الفصول، وأشجارها وإن عطشت، لن تتعود العيش بعلاً، فمطر الوعد بالحرية، سينهمر عليها ذات صباح... قريب! 
 
[ هما: حدثنا بعد، دُسْ على أقدامنا أكثر كي نصرخ وجعاً بما يكفي لنرتاح! إرو لنا فصولاً من الحقيقة التي لا نعرف! صرت صديقاً أنت، وشريكاً أنت، ورفيقاً رمت بنا أمواج الحقد ذات أيار في مدفنة واحدة، مدفنة، إستثناء حسنتها أنها تعلمنا لغة الحق والصدق والوطن! 
[ أنا: أجل، إسمعا الحقيقة لوحدكما، ومن يشاركنا القضية... أما هو، بأيامه المجيدة، وبطولاته المقلوبة، وولاية فقيهه عليه، والتابعيين مشّرعي ومشرعني القتل والتهجير، جميعهم متحدين ومنفصلين، لن أودعهم غضبي مائدة طينا طريا، لا يتشردق فيها كل واحد منهم.... ويختنق! 
ولاية الفقيه تهبط في طائرة.. ولادة الدولة الخمينية! 
 
عام 1979، هبطت طائرة في مطار طهران، على متنها السَّيد الخميني وعِدَّة الثورة، فحلّت الثورة الإسلامية في إيران، حلّت ضيفا ثقيلا على المنطقة. يومها، بدأ السَّيد الخميني رحلة إلزام الأمة بولايته، والدعوة إلى تحقيقها، بحرارة يصح وصفها "بالحرارة الإلهية". نجح الخميني في تأطير مجموعة من الشيعة في إيران بسياج الرهبة والهيبة وتجييشها تحت "قيادة الفقيه العادل المتقي العالم بأمور زمانه، الشجاع الكفؤ في الإدارة والتدبير" (1)، ألا وهي قيادة الولي الفقيه. إذن، ومنذ تلك اللحظة، بدأ الولي الفقيه السيد الخميني بمساعدة ما يسمى بمجلس الخبراء، إعطاء نفسه صلاحيات وصلت حدود "تعيين المسؤولين الكبار الآخرين، والموافقة على المرشحين لمنصب الرئاسة، وعزل الموظفين غير الأكفاء وتولي القيادة العامة للقوات المسلحة، مع تعيين قادة الجيش النظامي والحرس الثوري أو عزلهم وتنظيم مجلس الدفاع الأعلى الذي يعتبر أعلى هيئة لصنع القرار في القوات المسلحة الإيرانية" (2). هذا في ما خصَّ العلاقة بمؤسسات الدولة، أمَّا العلاقة بالأمة، فقد أعطى الخميني نفسه ـ وكل ولي فقيه يأتي بعده ـ، أعطى نفسه صلاحيات وصلت حدوداً تجاوز فيها صلاحيات الإمام الغائب المعصوم، فمنح نفسه سلطة "التصرف في الدماء والأموال" (3)، في محاولة رهيبة لإسكات كل صوتٍ مخالفٍ للنظام ووليه الفقيه، عبر القتل أو السجن أو النفي، فقتل نظامه كثيرين، وسَجَنَ ما يكفي لتمتلأ سجون إيران بالمظلومين، ونفى عدداً غير قليل. وفي فترة حكمه، أي السيد الخميني، لم يسلم الفقهاء والعلماء ورجال الدين من السطوة التي "متَّع" الولي الفقيه نفسه فيها، فنكّل نظامه بالسيد شريعتمداري بعد أن أعلنه خائناً سياسياً، ومن ثم جرجره الى التلفاز كسيراً ليستغفر الله على انتقاده النظام، الى أن أقعده في بيته ليموت بعد مدة. وكذا حصل مع الشيخ منتظري الذي لا زال حتى الآن في الإقامة الجبرية في مدينة قم، ممنوعاً من أي نشاط يُذكر. 
 
على كل حال، لعل الفريد في الولي الفقيه وحكايته، ما يذهب إليه هو وبعض المنظرين لولايته والتابعين لها، من إسباغ القدسية والشرعية الإلهية على عمله ووظيفته ودوره، وفي هذا المجال يقول السيد الخميني نفسه: "لقد مرَّ على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي أكثر من الف عام، وقد تمر ألوف الأعوام قبل أن تقتضي المصلحة قدوم الإمام المهدي المنتظر، فهل تبقى أحكام الإسلام معطلة يعمل الناس من خلالها ما يشاؤون؟ إذن، فإن كل من يتظاهر بالرأي القائل بعدم ضرورة تشكيل الحكومة الإسلامية فهو ينكر ضرورة تنفيذ أحكام الإسلام، وبالتالي فهو يدعو الى تعطيلها وتجميدها وهو بالتالي ينكر شمول وخلود الدين الإسلامي"، ويتابع "فالله جعل الرسول ولياً للمؤمنين جميعاً ومن بعده وكلت الإمام ولياً، ومعنى ولايتهما أن أوامرهما الشرعية نافذة على الجميع... ونفس هذه الولاية والحاكمية موجودة عند الفقيه" (4)، وفي ذات المجال كتب الشيخ آزاري قمي يقول: ليس لدى الولي الفقيه أية مسؤولية أخرى غير إقامة نظام الحكم الإسلامي، حتى لو اضطره ذلك إلى أمر الناس بالتوقف مؤقتاً عن الصلاة والصيام والحج، أو حتى الإيمان بالتوحيد" (5) 
 
أما الشيخ نعيم قاسم فكتب يقول: "من الواضح حجم الصلاحيات المنوطة بالولي الفقيه، فهو أمين على تطبيق الأحكام الإسلامية واتخاذ القرارات السياسية الكبرى التي ترتبط بمصالح الأمة وهو الذي يملك صلاحية قرار الحرب والسلم ". (6) 
إذن، هذه الأراء التي سوَّقت للولي الفقيه ليولد، وتُسَّوق الآن للولي الفقيه ليبقى، تُظهر حجم الصلاحيات المعطاة له، والتي ومن خلالها يحاول الولي القائد جعل الشيعة أداة طيعة له يضحي بهم من أجل مصالحه ومشروعه في ساحات الوغى مرة وفي ساحات البلاء مرات أخرى، وهذه الأراء نفسها، والتي إن أدت الى شيء غير البلاء الناتج عن شهوة الإمساك بكل مفاصل السلطة السياسية، فإنها أدت وتؤدي الى إحداث بدعٍ وتجاويف في المذهب الشيعي الإمامي، بدعٌ وتجاويف لا تخدم سوى مصالح الفقيه القائد ومتفرعاته، كل متفرعاته. 
 
دفاعاً عن دولة الحق... حزب الله وليداً! 
 
إذن، عام 1979 ـ وحسبْ ما أصطُلِحَ على تسميتها في إيران ـ وُلِدتْ دولة الحق، وَوُلِدَ معها تكليفٌ شرعي يقول بوجوب الدفاع عنها، على قاعدة أنَّ دولة الحقَّ إن وُجِدتْ وجبَ الدفاع عنها، وإذا وجبَ الدفاع عنها ولَزم، وجبَ حينها إنشاء أدوات الدفاع. بدأ فريق تصدير الثورة في إيران ـ الذي يؤمن بأن تصدير الثورة هو أحد سبل حمايتها من الداخل ـ، التفكير بالسبل الآيلة لحماية النظام، وعمل على خطين متوازيين: البحث عن أحزاب إسلامية متطرفة شيعية كانت أم سنية تخضع للقيادة الإيرانية، والعمل على إنشاء منظمات شيعية مسلحة يكون ولاؤها ولاءاً خالصاً للنظام، إحدى وظائفها الأساسية إشغال أعداء الثورة الإيرانية ونظامها عن أي إعتداء قد يطالها أو تدّخل قد يحصل في شؤونها. ذهب السيد الخميني الى دعم هذه النظرية، وراح يقول بأن للثورة الإيرانية دوراً عالمياً يتمثل بقيادة المستضعفين في الأرض، باعتبارها، أي الثورة، النموذج الثوري الإسلامي الوحيد، مما يجعل تصديرها واجباً دينياً يعكس أهدافاً سياسية وعسكرية تتلخص في دعم الحركات الإسلامية عبر تقديم المساعدات المالية والعسكرية، بالإضافة إلى التدريب العسكري والتلقين العقائدي لهذه الحركات وعدم الإكتفاء بالدعاية الخارجية للثورة. 
 
1 ـ أمل الإسلامية، فشلٌ يبعث حزب الله 
 
وعلى هذه الأساس، بدأ النظام الإيراني مشروع ربط الأقليات الشيعية في العالمين العربي والإسلامي بالثورة والإمام ومن ضَعُفَ من السنة، فتارة كانت محاولة الربط هذه عبر فتنة مختلقة (الخمينيون ضد الشورى في أفغانستان ولاحقاً أمل وحزب الله في لبنان ومؤخرا حماس والجهاد في فلسطين المحتلة والحوثيون والنظام اليمني وخلية حزب الله في مصر)، أو عبر تَبْيِئَةٍ طبيعية مع الثورة ومبادئها وتصوراتها والمشروع العام. عام 1982، وفي الجمهورية اللبنانية، الجمهورية الأكثر أهمية لإيران من حيث الموقع الإستراتيجي، تحولت السفارة الإيرانية في بيروت الى ما يصح وصفه بمقر قيادة أركان شيعي، وظيفته تمركزت حول محاولة ربط شيعة لبنان في بنية إيرانية محضة عبر إحداث تخلٍ شيعي كامل ومنسق عن ما كان قد تبقى آنذاك من مرجعية وطنية، وكان ذلك عبر محاولة اختراق جسد حركة امل، المسيطرة حينها على المناطق الشيعية. فشلت السفارة بإحداث اختراق كامل في صفوف حركة أمل، إختراق يكون على قدر طموح مشروعها المرسوم، فقررت إحداث شرخ داخل هذا التنظيم، متعاونة في ذلك مع أحد مسؤولي أمل آنذاك حسين الموسوي (مرشح انتخابات 2009 على لائحة حزب الله في بعلبك ـ الهرمل)، الذي أخذ على عاتقه إحداث هذا الشرخ عبر الإنسحاب من أمل مع نفر قليل من مؤيديه وتأسيس منظمة أمل الإسلامية. فشلت الخطة الإيرانية تلك، بعدما تبين أن أمل الإسلامية لم تقدم للخطة الإيرانية ما هو على قدر الطموح، فعمدت الى الإنتقال لخطة بديلة تقول بضرورة إنشاء تنظيم عسكري يغلب عليه طابع الإستقلالية عن أمل ولو في التسمية، فأسست ما سمي بحزب الله وأمنت له كل مستلزمات العمل الثوري والجهادي، معتمدة في ذلك على قسم من رجال الدين وجناح المتطرفيين ذي الذهنية الثورية الذي كان استقال من أمل، ومعاينة مباشرة من الحرس الثوري الإيراني. 
 
2 ـ أول الغيث: حزب الله يقاتل كل شيء.. أي شيء! 
 
دنا يوم القتال... فالحالة الثورية وكذا المنهج الثوري الإسلامي الإيراني صارا جاهزين للتصدير، وبدأ المدد العسكري والمادي بالوصول الى حزب الله، وذلك لتأدية واجب النداء المقدس والوظيفة السمحاء من جهة: الدفاع عن الثورة عبر قتال إسرائيل! ومن جهة أخرى، مدَّ جسرٍ إيراني الى قلب العالم العربي! وعليه، بدأ كثيرون من قادة حزب الله آنذاك، حشو الهواء اللبناني بمفردات ما اعتاد أحد سماعها، فما كان من اللبنانيين إلا التصبر أمام سماع البلاء الذي تلمسوه عبر ما خرج من فاه بعض قادته، الذي ذهب يقول لتأكيد تدخل كل الأجهزة الإيرانية في تحديد الدور الوظيفي لحزب الله: "إن الأجهزة الإيرانية كافة، من حوزات قم الى حرس الثورة الى وزارة الداخلية، تسهر على الشأن اللبناني وتعمل رأيها فيه" (7)، وفي مقام آخر يقول: "إن الأساس في لبنان بالنسبة إلينا أن يبقى ساحة وموقعاً للصراع مع إسرائيل.. إن الإسلام هو في أن يكون لبنان كذلك" (8) 
إذن، بدأ حزب الله قتال إسرائيل، ولكن سرعان ما اكتشف أن الحالة الثورية التي هو ركيزتها، والمجتمع الجهادي الذي هو عماده، تتهددهم أخطار تتعدى الحالة الإسرائيلية لتصل الى كل شيء في الداخل اللبناني. وعليه، بدأ مخطط الهجوم على كل شيء (المخطط لا زال قائماً حتى الساعة ولم يتوقف)، فقام حزب الله بضرب القوات المتعددة الجنسيات عام 83، وأصاب منهم مقتلاً كبيراً، فما كان من هذه القوات إلا أن انتقلت الى موقع الدفاع والتوقي، قبل أن تنسحب من لبنان. واستمر ذات المشهد (والذي لا زال أيضاً مستمرا حتى اليوم)، لقناعة حزب الله ومن وراءه إيران، لقناعتهم بأن الحالة الثورية لا تستطيع العيش إلا من خلال الحرب على العدو العام، أي كل مخالف، وأن الحرب وحدها، هي الكفيلة في توسيع الحالة الإبرانية بعد ولادة معقلها، فتم العزم على محاربة كل شيء: العدو الإسرائيلي قبل القوات المتعددة الجنسيات (الأمريكيون والفرنسيون)، جيش العميل لحد، الجيش اللبناني، حركة أمل (قتل قادتها وناسها)، الفلسطينيون، قوات حقظ السلام الدولية (خطف وقتل)، بعض المواطنين المسيحيين والمسلمين شيعة وسنة، المواطنون الأجانب، الحزب الشيوعي اللبناني (قتل قادته) وكثيرون غيرهم. 
 
إذن، وبإعلان الحرب على كل شيء، بدأ حزب الله مشروع نضاله المقدس، ومن وراءه مشروع نقل ولاية الفقيه السياسية، أي المشروع التوسعي الإيراني الى لبنان ومنه الى العالم العربي. بدأه مقاتلاً شرساً لا يرحم، وتابع على نفس الوتيرة وفي ذات المسيرة... وهنا، لعل أصدق وصفٍ استحقه حزب الله، كان الوصف الذي نطق به عدو الأمس وحليف اليوم، الأستاذ نبيه بري، عندما اتهمهم بادعاء المقاومة والمرور عبر اسرائيل لقتال أهل المقاومة قائلاً: "لا يوجد في الإطار اللبناني حزب إسمه حزب الله أو مقاومة إسمها مقاومة إسلامية، إنما يوجد على أرض لبنان حزب إيراني إسمه كذا ومقاومة إيرانية إسمها كذا"، وتابع في نفس الخطاب: "أيدناكم ونهنئكم ـ إيران ـ على انسحاب صدام حسين من أرضكم أملين أن تسحبوا علي محتشمي وحرسه من أرضنا" (9). وفي ذكرى أسبوع أحد قادة حركة أمل الذي قتله مقاومو حزب الله، قال الأستاذ بري صراحة: هؤلاء قتلوا من القادة أكثر مما قتلت إسرائيل ". 
 
3 ـ ثالثة الأثافي، بيان التأسيس: صاعقة ضربت الصيغة والدولة.. ولا زالت! 
المسألة هنا، كل المسألة، هي أن نستعرض بعضاً من بيان تأسيس حزب الله، لا أن نتحدث عن الصيغة والدولة... فالصيغة والدولة ثابتتان واضحتان تعيشان في ذهن الفرد اللبناني، وتعيشان كذلك، في ذهن الأرز وثورته وناسها. إذاً، فإن كل المسألة هي أن نستعرض بعضاً من هذا البيان الذي طرحه حزب الله الى العلن في الذكرى السنوية الأولى لإستشهاد الشيخ راغب حرب عام 1986، على أن نعود بعد استعراض بعض ما جاء فيه، الى مقارنة مع سلوك حزب الله اليوم، سلوكه بما خص ولاية الفقيه والدولة والنظام والخصوم والشرعية والسلاح وفلسطين. 
 
"أيها المستضعفون الأحرار، إننا أبناء أمة حزب الله في لبنان نحييكم ونخاطب من خلالكم العالم بأسره: شخصيات ومؤسسات، أحزاباً ومنظمات وهيئات سياسية وإنسانية وإعلامية ولا نستثني أحداً؛ لأننا حريصون على أن يسمع صوتنا الجميع، فيفهموا مقالتنا، ويستوعبوا طروحاتنا، ويتدارسوا مشروعنا... إننا أبناء أمة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران، وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم، نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة وعادلة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط، وتتجسد حاضراً بالإمام المسدد آية الله العظمى روح الله الموسوي الخميني دام ظله، مفجر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة، وعلى هذا الأساس فنحن في لبنان لسنا حزباَ تنظيمياً مغلقاً، ولسنا إطاراً سياسياً ضيقاً، بل نحن أمة ترتبط مع المسلمين في كافة أنحاء العالم برباط عقائدي وسياسي متين هو الإسلام الذي أكمل الله رسالته على يد خاتم أنبيائه محمد... ومن هنا فإن ما يصيب المسلمين في أفغانستان أو العراق أو الفليبين أو غيرها إنما يصيب جسم أمتنا الإسلامية التي نحن جزء لا يتجزأ منها، ونتحرك لمواجهته انطلاقاً من واجب شرعي أساساً، وفي ضوء تصور سياسي عام تقرره ولاية الفقيه القائد... وأما قدرتنا العسكرية فلا يتخيلَنَّ أحد حجمها، وإذ ليس لدينا جهاز عسكري منفصل عن بقية أطراف جسمنا، بل إن كل واحد منا هو جندي مقاتل حين يدعو داعي الجهاد، وكل واحد منّا يتولى مهمته في المعركة وفقاً لتكليفه الشرعي في إطار العمل بولاية الفقيه القائد... ونحن الآن في حالة مواجهة متصاعدة ضدهم حتى تتحقق الأهداف التالية: تخرج إسرائيل نهائياً من لبنان كمقدمة لإزالتها نهائياً من الوجود وتحرير القدس الشريف من براثن الاحتلال... ويتاح لجميع أبناء شعبنا أن يقرروا مصيرهم ويختاروا بكامل حريتهم شكل نظام الحكم الذي يريدونه، علماً بأننا لا نخفي التزامنا بحكم الإسلام وندعو الجميع إلى اختيار النظام الإسلامي الذي يكفل وحده العدل والكرامة للجميع، ويمنع وحده أية محاولة للتسلل الاستعماري إلى بلادنا من جديد... ونعلن أننا نطمح أن يكون لبنان جزءاً لا يتجزأ من الخارطة السياسية المعادية لأميركا والاستكبار العالمي وللصهيونية العالمية، والتي يحكمها الإسلام وقيادته العادلة. وهذا الطموح هو طموح أمة وليس طموح حزب، واختيار شعب لا اختيار عصابة... لماذا نواجه النظام القائم؟ هذه هي رؤيتنا وتصوراتنا عمّا نريده في لبنان، وعلى ضوء هذه الرؤية والتصورات نواجه النظام القائم لاعتبارين أساسيين: 
ـ لكونه صنيعة الاستكبار العالمي وجزءاً من الخارطة السياسية المعادية للإسلام . 
ـ لكونه تركيبة ظالمة في أساسها لا ينفع معها أي إصلاح أو ترقيع، بل لا بد من تغييرها من جذورها {ومّن لَّمً يّحًكٍم بٌمّا أّنزّلّ اللَّهٍ فّأٍوًلّئٌكّ هٍمٍ الظَّالٌمٍونّ}. [المائدة: 45]" (10) 
 
ماذا تغيَّر؟ الأمس واليوم وحزب الله... مقارنة ساذجة! 
 
يقول السيد حسن نصر الله في شريط مسجل ما حرفيته: "... ويتصورون عندما يقولون عنا حزب ولاية الفقيه أنهم يهينوننا، أبدا. أنا اليوم أعلن وليس جديدا، أنا أفتخر أن أكون فرداً في حزب ولاية الفقيه" ويقول في خطاب آخر مسجَّل، ما حرفيته: "إذا كانت حركة أسلامية، أليست بحاجة الى من يدلها على الحلال والحرام لتعمل بالحلال وتتجنب الحرام؟ هذه غير ولاية الفقيه، ولاية الفقيه مرحلة أعلى، ولاية الفقيه أن نأتي ونقول: قيادتنا وإرادتنا وولاية أمرنا وقرار حربنا وقرار سلمنا وكذا، هو بيد الولي الفقيه". أما الشيخ نعيم قاسم، الذي يشغل موقع النائب لنصر الله فيقول: "من الواضح حجم الصلاحيات المنوطة بالولي الفقيه، فهو أمين على تطبيق الأحكام الإسلامية واتخاذ القرارات السياسية الكبرى التي ترتبط بمصالح الأمة وهو الذي يملك صلاحية قرار الحرب والسلم ". (11). ويقول في مكان آخر: "لكن قرار الجهاد مرتبط بالولي الفقيه الذي يشخص الحالة التي ينطبق عليها الجهاد الدفاعي (7 أيار نموذجاً، السلاح للدفاع عن السلاح) والذي يحدد قواعد المواجهة وضوابطها... فالقرار يعود اليه وهو ملزم للمسلمين" (12) إقرأ: الشيخ نعيم قاسم ـ حزب الله، المنهج، التجربة، المستقبل، ص 53. إذن، لا زيادة على ما قاله أبرز قياديين في حزب الله، السيد نصر الله والشيخ قاسم، عن علاقتهم بولاية الفقيه، إي بالأجندة السياسية التي يحددها الولي الفقيه، ولا حاجة لتظهير الدليل على أن ما ورد في بيان حزب الله عام 86 بما خص ولاية الفقيه والإلتزام بها سياسياً وشرعياً، لا زال على صورته ولم يتغير. 
 
أما في ما خصَّ نشاط حزب الله خارج الأرض اللبنانية، فإنه من الواضحات أن هذا الحزب لا زال على وعده الذي أطلقه في بيانه التأسيسي عام 1986 بنصرة من يراه حليفاً ضعيفاً، وما يكشف ذلك قول حزب الله في البيان عن ما يصيب المسلمين في العالم ووجوب الدفاع عنهم، وإقدامه على إنشاء خلايا له في جمهورية مصر العربية وظيفتها إمداد الفلسطينيين بالسلاح وزعزعة الأمن المصري، وهذه الخلايا، لا حاجة للتذكير أنها أكتُشفت قبل أسابيع من الآن، وكذا الحال بالنسبة الى الخلية التي أكتُشفت قبل أيام في أذربيجان. 
 
وأما حديث حزب الله في بيانه التأسيسي عن إسلامية النظام، فإن الإحالة في هذه المسألة هي على الشيخ نعيم قاسم الذي يقول في كتابه الشهير "إذا ما أتيح لشعبنا أن يختار شكل نظام الحكم في لبنان، فإنه لن يرجع عن الإسلام بديلاً" (13). هذه الدولة، أي الدولة الإسلامية، لعلها أُسِّست بشكل غبر مكتمل، فساعة يقول السيد نصرالله في خطابه في حفل تخريج دفعة الوعد الصادق، ما حرفيته "عندما تصبحون دولة، تعالوا وطالبونا بأن لا نكون دولة داخل الدولة"، فإن في ذلك دليلاً قاطعاً على أن الهدف الذي يقول بتأسيس دولة إسلامية (بأدوات مسيحية تطبق السياسية الإيرانية لا الشريعة، وهذا المقصود بالدولة الإسلامية) لا زال هدفاً قائماً، ولعل اكتمال صورة هذه الدولة لا سمح الله ـ وبأدوات مسيحية هذه المرة ـ متوقف على وعي اللبنانيين وعلى ذاكرتهم التاريخية يوم السابع من حزيران. 
 
أما عن طموح حزب الله في بيانه التأسيسي عام1986 عن تحويل لبنان الى دولة تكون جزءاً لا يتجزأ من الخارطة السياسية المعادية لأميركا والإستكبار العالمي، فتكفي الإحالة الى تصريح الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بتاريخ 26 أيار 2009 والذي قال فيه: "في حال فوز المعارضة في الإنتخابات النيابية اللبنانية ستتغير الأوضاع في المنطقة وستتشكل جبهات جديدة تقوم على تقوية المقاومة "... هذا كثير!".
 
خاتمة: تذكير ونداء.. 
 
"النظام اللبناني غير شرعي ومجرم" (14)... هي فتوى أصدرها الولي الفقيه قبل سنوات، عشنا جميعاً، نحن اللبنانيون، عشنا مفاعيلها يوم الإعتصام الشهير، وتعطيل عجلة الدولة، وتخوين الأكثرية الحاكمة ومن أتى بها من المواطنين. هي فتوى، عشنا مفاعيلها يوم السابع من أيار، يوم احتلت المدينة، وأسقطت الدولة، وحكومتها "اللاشرعية"، يوم أٌحرقت وسائل الإعلام واحتلت دور رجال الدين... أيها اللبنانيون، مسيحيين كنتم أم مسلمين، لا تصدقوا زيف ادعائهم بأنهم حماة الدولة، فكيف تكون الدولة، ساعة يتهمون كل مخالف بالتواطؤ والخيانة، وكيف يكونون دعاة الدولة، ساعة يستبدلون الحوار وكل نقاش عاقل، بالسلاح والرصاص والصواريخ والإستعراض الخطير والمناظرة الأحادية الشرسة؟ على كل حال، أنه السابع من حزيران يطرق الأبواب، فإما أن نُعدّمّ جميعاً، ونُسجن في كارثة "الجمهورية الثالثة" التي وعد حزب الله بإنشاء واحدة مثلها في بيانه التأسيسي عام 1986، ساعة قال واصفاً النظام بأنه تركيبة ظالمة لا ينفع معها أي ترقيع ولا بد من تغييره من جذوره، وإما أن نعبر نحو الدولة... الدولة التي لا تصالح سجَّانها ولا تماريه، بل تكسر القيد وتنتصر! 
 
المراجع: 
(1) المادة 107 من الدستور الإيراني 
(2) المادة 110 من الدستور الإيراني 
(3) إقرأ: السيد علي الأمين ـ ولاية الدولة ودولة الفقيه ص 26 
(4) إقرأ: السيد الخميني ـ الحكومة الإسلامية ص 26 ـ 27 ـ 48 ـ 49 
(5) إقرأ: مهدي نور بخش، الدين والسياسة والاتجاهات الأيديولوجية في إيران المعاصرة، ضمن: إيران والخليج، البحث عن الاستقرار، ص48 
(6) إقرأ: الشيخ نعيم قاسم ـ حزب الله، المنهج، التجربة، المستقبل، ص 74. 
(7) دولة حزب الله ص 336 
(8) انظر: الحرس الثوري الإيراني نشأته وتكوينه ودوره، كينيث كاتزمان، ترجمة: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، الطبعة الأولى، 1996م، 104ص 
(9) راجع خطاب الأستاذ نبيه بري في ذكرى تغييب الإمام الصدر عام 90 
(10) مقتطفات من بيان حزب الله في الذكرى السنوية الأولى لإستشهاد الشيخ راغب حرب عام 1986 
(11) إقرأ: الشيخ نعيم قاسم ـ حزب الله، المنهج، التجربة، المستقبل، ص 74 
(12)) إقرأ: الشيخ نعيم قاسم ـ حزب الله، المنهج، التجربة، المستقبل، ص 53 
(3 1) إقرأ: الشيخ نعيم قاسم ـ حزب الله، المنهج، التجربة، المستقبل، ص 41 
(14)انظر مقال: صادق الموسوي، مجلة الشراع، 17/5/1993م. وانظر: وضاح شرارة، دولة حزب الله، ص 342.
 
هادي الأمين
المستقبل
0
Your rating: None